السيد نعمة الله الجزائري
212
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
« من سخطك » أي من أسبابه وكذا قوله من رضاك . « وفرّغ قلبي لمحبّتك » مصدر بمعنى الحب مشتق من حباب الماء بفتح الحاء معظمه لأن المحبة معظم مهمات القلب وقيل مشتق من اللزوم لأنه قاهر للقلب ولازم له ، وتحقيق هذا المقام يتم ببيان أمور : الأول : في تعريف الحب فقيل هو إيثار المحبوب على سائر المصحوب ، وقيل هو ميلك إليه بكليتك وإيثارك له على نفسك وموافقتك له سرا وجهرا ، وقيل المحبة محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته ، وقيل هي هتك الأستار وكشف الأسرار ، وقيل محو الأشباح وذوب الأرواح ، وظني أن هذه التعاريف كلها حقة إلا أن كلا منها منزل على مرتبة من مراتب كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى . الثاني : في بيان مراتبه وهي خمسة : أولها الاستحسان تتولد من النظر والسماع ولا تزال تقوى بطول التفكر في محاسن المحبوب وصفاته الجميلة ، وثانيها المودة وهي الميل إليه والألفة بشخصه والائتلاف الروحاني معه ، وثالثها الخلة وهي تمكن محبة المحبوب من قلب المحب واستكشاف سرائره ، ورابعها العشق وهو الإفراط في المحبة حتى لا يخلو العاشق من تخيل المعشوق وذكره لا يغيب عن خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الشهوانية والنفسانية فتمتنع من الطعام لعدم الشهوة ومن النوم لاستضرار الدماغ ، وخامسها الوله وهو أن لا يوجد في قلب العاشق غير صورة المعشوق ولا ترضى نفسه إلا به ، وهكذا تتفاوت درجات المحبين ألا ترى قول سيدهم ورئيسهم عليه وآله السلام اللهم زدني فيك تحيرا اللهم زدني فيك ولها . الثالث : في علاماته وهي مع تشعبها ترجع إلى ثلاث : الأولى : النحول والذبول واصفرار اللون وتغير المزاج خوفا من المحبوب لعله غير راض عنه ، وهذه العلامة لمن لم يحصل له الاطلاع على حالته ودرجته عند محبوبه ، وشاهد هذا ما روي أنه قد سأل أمير المؤمنين عليه السّلام رجل فقال له ما بال المحبين والعابدين وجوههم مصفرة وأبدانهم ناحلة ووجهك يعلوه البياض وبدنك أقوى من كل قوي وقد بلغت من الحب مرتبة لا تدانى فيها ، فقال عليه السّلام إن المحبين قد حبوا وعبدوا من لا يعرفون حالهم عنده ومنزلتهم لديه فهم على خطر من محبتهم ،